العودة   منتديات القطرية > ๑۩۞۩๑ المنتديات الفرعية ๑۩۞۩๑ > المنتدى الثقافي
الإهداءات

 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-07-2020 , 03:24 PM   مشاركة رقم 1
إداري
 
الصورة الرمزية البرواز و الصورة
تاريخ التسجيل : Nov 2012
رقم العضوية : 2
المشاركات : 5,058
أخر زيارة : يوم أمس 09:32 PM
الدولة : قطر


بيانات إضافية

الجنس : ذكر

الحالة : البرواز و الصورة غير متواجد حالياً

Icon37 عودة الفلسفة إلى ثانويات الإمارات



فهد سليمان الشقيران

ما زلت أتذكر حماسة شيخنا أستاذ العقيدة في كلية الشريعة و هو يتناول الردود بين الغزالي و ابن رشد ، قلبه كان مع الغزالي و لكن يبدو أن عقله لم يستطع تجاوز ابن رشد , ما جعله يتخذ موقفاً مناوئاً للفلسفة كلها باعتبارها حائلاً دون فهم العقيدة الحقة ، و إنما يُكتفى بعلم الكلام و الجدل المفيد الموصل إلى الاعتقاد الصحيح . موقفه ذلك بُني على موقفٍ أصيلٍ لديه أن الفلسفة تتضمن موقفاً جاهزاً حيال العالم ، و أن كل مَن قرأ الفلسفة خرج مِن كتبها بنفس النتيجة . و هذا أصل لفكرة العداوة مع الفلسفة ، لا من قبل المعلمين التقليديين ، بل مفكرين كبار مثل ابن خلدون الذي هاجم الفلسفة بشكلٍ عنيف . الفلسفة لم تكن يوماً محتوى أو موضوعاً أو كتاباً ، إنما هي فضاء تمارس من خلاله عملية شاقة من مواجهة أسئلة راهنة ، يثمر تعاهدها عن كتبٍ تحمل نظريات فلسفية توصف لاحقاً بـ«الفلسفات». ثمة تقديس للفلسفة لدى مؤيديها و مناوئيها ، حتى إن الحديث عنها أو حولها أو بها يشكل حدثاً و حديثاً ، بينما هي مجال معرفي يمكن التمرن عليه بالجهد و الاطلاع . كثر يتناولون الفلسفة باعتبارها المجال المهول ، إما على سبيل النقد و الهجوم،و إما الدفاع و التأييد . و لا يستدعي المجال درجات السخط أو نشوات الاغتباط ، و ما من تعريفٍ للفلسفة متفق عليه ، و إنما مقاربات حولها ، فلكل فلسفة تعريفها ، و كل فلسفة تنسب إلى سؤالها و عدتها المفهومية ، و دربها النظري . الفلسفة لا وظيفة لها عليك ، و إنما ما تخوضه أنت مع أسئلتك عبر مفاهيمها و متونها و نظرياتها هو ما يحدد دروبك و مصائرك و نتائج درسك . ضمن جلبة ذلك الموقف التاريخي الرافض للفلسفة ، بقيت مؤسسات التعليم مترددةً في تدريسها بين القبول و الرفض . أقرّت السعودية تدريس التفكير الناقد و الفلسفة في المناهج الدراسية ، و الهدف منه تفعيل مَلَكة النقد و رفع مستوى حاسة السؤال على الطريقة السقراطية ، كما يشرح بعض مَن ساهم في كتابة ذلك المنهج . في الأول من يوليو (تموز) الحالي نشرت صحيفة «الاتحاد» الإماراتية خبراً مهماً ، إذ «قررت وزارة التربية و التعليم تضمين المناهج الدراسية مادة الفلسفة للحلقة الثالثة في المدرسة الإماراتية بدءاً من العام الدراسي المقبل . و تركز فيها على 3 مباحث أساسية ، هي الوجود و المعرفة و القيم». هذه خطوة تنسجم مع التطلع و النمو الذي تسعى إليه الإمارات و قطعت فيه أشواطاً مبهرةً على شتى المستويات . لكن هل تعليم الفلسفة بالإمارات يعتبر حدثاً جديداً ، و هل قرار التدريس هذا إعلان بداية أم عملية استئناف؟! لدى الباحثة الدكتورة ريتا فرج دراسة مفصلة و مهمة بعنوان «تدريس الفلسفة في دول مجلس التعاون الخليجي و اليمن بين التحجيم و التحريم»، مما ذكرته : «لا تدرس الفلسفة في المرحلة الثانوية (الثانويات الرسمية)... و قد ألغيت أواخر التسعينات من القرن المنصرم بقرارٍ من وزارة التربية و التعليم ، و على الرغم من إلغاء مادة (التفكير الفلسفي) و (التفكير المنطقي) بـ(القسم الأدبي) فقد أدرجت بعض المحاور التي ترتبط بالفلسفة في الصف الثاني عشر الأدبي ، ضمن مقرر علم النفس ، حيث يُعطى الطالب موادّ مثل مهارات التفكير الناقد ، و مهارات التفكير الإبداعي». الحديث عن تعليم مهارات نقدية و فلسفية في الثانويات لا يستحق كل ذلك التوجس من المعترضين . التمرين الفلسفي و النقدي مفيد للإنسان في حياته و وجوده . قبل أيام قرأتُ كتابين ظريفين ، هما «عزاءات الفلسفة ... كيف تساعد الفلسفة في الحياة»، و الآخر «قلق السعي إلى المكانة»، كلاهما للأديب آلان دو بوتون ، في كتابه الأول يشرح كيف يمكن لبعض النظريات و التجارب الفلسفية أن تساعد الإنسان على حياته ، يمر بسقراط و أبقيور و مونتين و سينيكا و شبنهاور و نيتشه . من ملاحظاته الطريفة ، حديثه عن كيف أسهم سينيكا في «خلق ربط دائم مع مفكرين رواقيين آخرين ، بين جوهر كلمة (فلسفي)، و مقاربة هادئة معتدلة للكارثة . كان قد أدرك منذ البداية أن الفلسفة منهج تعليمي يساعد البشر على تجاوز التباينات بين أمنياتهم و الواقع»، ثم ينقل عن سينيكا قوله : «أدين بحياتي للفلسفة ، و هذا أقل التزاماتي حيالها». (ص 98 - 99). أما في كتابه الثاني «قلق السعي إلى المكانة»، فيدرس الصراع البشري و الحضاري نحو المكانة . الكتاب مكون من 10 فصول ، في الكتاب تناولات أدبية و فنية و لمحات فلسفية . مثل هذه الكتيبات و التناولات توضح أن للنظريات الفلسفية إسهامات ، يمكنها أن تضيف إلى تجربة الإنسان خبرةً مفيدة في سبيل تحديد آرائه و مواقفه . يتحدث عن التطلع ، عن الادعاء ، عن الغطرسة ، يقول عنها : «وراء الاختيال و الغرور يكمن ذعرٌ مقيم» (ص 25). أكرر هنا أن الفلسفة بعمومها ليست مجال تنمية ذاتية ، أو تدريب مهني ، أو غرس مهارات ، لكن ربما ما قصده بوتون أن كثيراً من تجارب الفلاسفة و مواقفهم و مناهجهم يمكنها تغذية مواقف الإنسان و خبراته . من قبلُ ، طرح الفيلسوف ليوتار سؤالاً «لماذا نتفلسف؟» قاربه في كتابٍ ، و مما ذكره : «إن الجواب على السؤال يوجد في السؤال الذي لا مفر منه (لماذا نرغب؟) و الرغبة التي تمثل الفلسفة ليست أقل انحباساً من أي رغبةٍ كانت ، غير أنها تتضاعف و تضع نفسها موضع سؤالٍ في حركتها ذاتها . و زد على ذلك أن الفلسفة ليست في الواقع سوى مساءلة الأشياء». (ص 43). المقصود هنا أن تدريس الفلسفة مثله مثل تعليم أي مادة ، بعض المفكرين يعترضون على تدريس الفلسفة ، لأن في تعليمها عملية تحويل لها من مجالها الرحب والواسع إلى ما يشبه المحفوظات و الملفوظات ، و هذا محل نقاشٍ طويل ، و قد اشتبك عبد الرحمن بدوي في تونس مع آخرين ضمن ندوةٍ نظمتها «اليونيسكو» حول تعليم الفلسفة أوائل الثمانينات . تدريس الفلسفة في التعليم العام بالإمارات عملية استئناف حيوية لما بدئ من قبل , إذ تمنح الفلسفات قارئها الخيال الخصب ، و القدرة على المحاججة ، و عدم التهيب من السؤال ، و التمرن على الصياغة و القول ، و هي خطوة مهمة لمستقبل التنمية و المعرفة في البلاد .

 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

أدوات الرقـابة :

الساعة الآن 10:35 AM