العودة   منتديات القطرية > ๑۩۞۩๑ المنتديات الفرعية ๑۩۞۩๑ > المنتدى الثقافي
الإهداءات

 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-06-2020 , 12:50 PM   مشاركة رقم 1
إداري
 
الصورة الرمزية البرواز و الصورة
تاريخ التسجيل : Nov 2012
رقم العضوية : 2
المشاركات : 5,036
أخر زيارة : اليوم 04:59 AM
الدولة : قطر


بيانات إضافية

الجنس : ذكر

الحالة : البرواز و الصورة غير متواجد حالياً

Icon37 طريقتنا السائدة في فهم أميركا



حازم صاغية

مع جريمة مقتل جورج فلويد ، عاد التراشق بأميركا إلى صدارة الكتابات العربية . لكن مسألة العنصرية و هي الموضوع الأساس في جريمة فلويد لم تكن هي الموضوع إلاّ عَرَضاً ، في تلك الكتابات مسألة العنصرية عندنا لم تعدو كونها ذريعة لموقف تتحكّم به السياسة الخارجية أساساً . فمن يكره أميركا بسبب مواقفها في الشرق الأوسط يعاود اكتشاف أنّها عنصرية ، و أن عنصريتها متأصلة تعود إلى التعاطي مع السكّان الأصليين أو الهنود الحمر . و من هناك مروراً بحرب فيتنام يتجمع ما يكفي من براهين للقول إن ذاك البلد مصنع لا ينتج إلا البشاعة و التآمر و العدوان . و من يحب أميركا بسبب مواقفها في الشرق الأوسط يكتشف مرة أخرى ، أن في الأمر مؤامرة على أميركا التي لا سيما في عهد دونالد ترمب لا يصدر عنها إلا الحق و الخير و الجمال . أما مقتل فلويد فيندرج فيما وصفه قدامى العرب بـ«لكلّ عالم هفوة». إذن هناك حزب «الضد أميركا» الذين يرون فيها التآمر على العالم و علينا و على جورج فلويد طبعاً . الناطقون بلسان هذا الحزب يقدمون أنفسهم بوصفهم أولياء دم الأخير , حتى خامنئي و روحاني و بشار الأسد تقززوا من جريمة كتلك لا تحصل إلاّ في أميركا ! و هناك في المقابل حزب «المع أميركا» الذين يرون فيها ضحية لمؤامرات يحيكها أشرار العالم بمن فيهم الأشرار الأميركيون أنفسهم . إنه كابوس السياسة الخارجية الذي يطبق على عقولنا جميعاً و يمنعنا من رؤية الولايات المتحدة بما هو جيد و سيئ فيها ، و بما هو ديمقراطي و عنصري في تجربتها . هكذا يغيب البلد الفعلي عن أنظارنا و عن تعقلنا فيما تتحكّم بنا برانية خالصة تتلصص تلصصاً على ما تزعم التعمق في معرفته . هذا الانهجاس بالسياسة الخارجية بـالـ«مع» و الـ«ضد»، و بالتالي قراءة الظاهرة المعنية على أساسه ، كنا قد جربناه في أحكامنا على الاتّحاد السوفياتي الراحل : مُحبوه (و هم تقريباً نفس كارهي أميركا) كانوا يرفضون كل كلام عن استبداديته و قمعه و يخونون المنشقين و ثورات الطلب على الحرية في ألمانيا و هنغاريا و تشيكوسلوفاكيا ... و كارهوه (و هم تقريباً نفس مُحبي أميركا) رفضوا أن يروا في الشيوعية إلاّ الدسائس و المكائد و المؤامرات . هذه الطريقة في مقاربة الأمور لا تغير شيئاً في أميركا أو روسيا أو أي بلد كان ، لكنها تترك مردوداً سيئاً و مباشراً علينا ، و على قدرتنا على الفهم و الإحاطة . سيد قطب المنظّر الإخواني المصري الذي عاش عامين مُبتَعثاً في الولايات المتّحدة ، كان من رواد هذه النظرة البرانية و العنصرية في آن . لقد كتب في 3-12-1951 في مجلّة «الرسالة» القاهريّة : «الأميركي بدائي في ذوقه الفني ، سواء في ذلك تذوقه للفن ، أو أعماله الفنية : موسيقى (الجاز) هي موسيقاه المختارة , و هي تلك الموسيقى التي ابتدعها الزنوج لإرضاء ميولهم البدائية ، و رغبتهم في الضجيج من ناحية و لاستثارة النوازع الحيوية من ناحية أخرى . و لا تتم نشوة الأميركي تمامها بموسيقى (الجاز) حتى يصاحبها غناء مثلها صارخ غليظ . و كلما علا ضجيج الآلات و الأصوات ، وطن في الآذان إلى درجة لا تطاق ... زاد هياج الجمهور ، و علت أصوات الاستحسان ، و ارتفعت الأكف بالتصفيق الحاد المتواصل الذي يكاد يصمّ الآذان». ما اقتُطف أعلاه أعطاه كاتبه عنوان : «أميركا التي رأيت». لكن الكاتب الذي عاش في أميركا لم يعش , لقد نظر إليها و لم يرى . إنه هو المثقل بفكرة العداوة لم يكن مؤهلاً لأن يلاحظ شيئاً أو يقبض على تعقيد عند ذاك «العدوّ». عملاً بهذا النهج و تقليداً لسيد قطب ، يتزايد عجزنا عن تطوير فكر سياسي و وعي آيديولوجي ، إذ يبقى «الآخر» كائناً يتأرجح بين طاهر (إذا كان معنا و كنا معه) و متآمر (إذا كان ضدنا و كنا ضده). هكذا نقف عاجزين عن فهم الفوارق بين عمل القانون و ثقافات المجتمع و دور الإعلام و وطأة التاريخ و تأثير الأزمات الاقتصادية صعوداً أو هبوطاً ، كما لا نفهم مثلاً كيف تحصل جريمة فلويد في بلد سبق له قبل 12 سنة فقط ، أن انتخب لرئاسة الجمهورية أحد الأفرو أميركيين ثم جدد انتخابه لولاية أخرى . و هذا النهج ، ثانياً ، لا يساهم في الحد من عنصريتنا التي إما غطستْ فيها أحزابنا و تياراتنا السياسية و الفكرية ، أو أنها لم تولِها الاهتمام اللازم . و هو ، ثالثاً ، يعزز افتقارنا إلى البُعد الكوني الذي يفترض احترام تجارب الآخرين بذاتها و عدم إلحاقها بقضايانا ، لا سيما و أن ما يسد مسد البُعد الكوني هو حصراً البُعد القَبَلي : نحن و هم ، مع و ضد ... هكذا نبقى على صعيد الوعي في «مكانك راوح». إن أميركا و في وقت واحد ، عظيمة و خطيرة ، و خيرة و شريرة ، و باهرة التقدم و باهرة التخلّف . و هي دائماً أكبر و أهم من أن نختصرها بكلمة يمليها علينا موقفها في السياسة الخارجية ، و موقفنا من موقفها هذا . و في آخر المطاف ، قد يكون مفهوماً أن يتعصب واحدنا لقضية أو لبلد ، لكنّ الكتّاب ليسوا جنوداً على الجبهة و لا وزراء خارجية . إنهم مَن يُنتجون المعنى ، و بفهمٍ كهذا السائد عندنا لن تمتلئ جعبتنا بأي من المعاني .

 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

أدوات الرقـابة :

الساعة الآن 09:02 AM